يحيي بن حمزة العلوي اليمني
122
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
قال على النار ، فيه دلالة على ضعف نارهم لقلة زادهم ، وأنه يطفئها بولة ، وأنها إنما أمرت بذلك ، كي لا يهتدى الأضياف إليهم ولا يعرفوا مكانهم ، ثم أتى بلفظة على ، ولم يقل فوق النار ، ليدل بحرف الاستعلاء على أنها قصدت حقيقة الاستعلاء بالبول قائمة من غير مبالاة في التستر ولا مروءة في تغطية العورة ، فقد وضح لك بما قررناه أن التأليف هو العمدة العظمى والقانون الأكبر في حسن المعاني وعظم شأنها وفخامة أمرها ، ومن الأمثلة الرائقة ما يؤثر عن أمير المؤمنين قاله في أول خلافته : « إن الله سبحانه أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشرّ ، فخذوا نهج الخير تهتدوا ، واصدفوا عن سمت الشرّ تقصدوا ، الفرائض الفرائض ، أدّوها إلى الله تؤدّكم إلى الجنّة ، إن الله تعالى حرّم حراما غير مجهول ، وفضّل حرمة المسلم على الحرم كلها ، وشدّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها ، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق ، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب ، بادروا أمر العامة ، وخاصة أحدكم وهو الموت فإن الناس أمامكم وإن الساعة تحدوكم من خلفكم ، تخففوا تلحقوا ، فإنما ينتظر بأوّلكم آخركم ، اتقوا الله في عباده وبلاده ، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم ، وأطيعوا الله ولا تعصوه ، وإذا رأيتم الخير فخذوا به ، وإذا رأيتم الشر فأعرضوا عنه » . فلينظر الناظر ما اشتمل عليه هذا الكلام من حسن التأليف وبديع التصريف ، وليلحظ ما تضمنه قوله : تخففوا تلحقوا ، بعين البصيرة وما اشتمل عليه من بلاغة المعاني وجزالة الألفاظ ، وإنه لكلام من استوى على عرش البلاغة واستولى ، ودل بالإرشاد على مصالح الدين والدنيا ، فعليك بمراعاة جانب التأليف فإنه القطب الذي تدور عليه أرحية البلاغة ، ولا سبيل إلى جذبه بزمامه ، والاستيلاء على كماله وتمامه ، إلا بعد إحراز فصول تكون محتوية على أسراره ، ومستولية على المقصود منه .